أبي بكر الكاشاني
191
بدائع الصنائع
وصول حقهم إليهم بالتعريج كما إذا حفر نهرا في أرضه وأراد أن يعرج الماء إليه ثم يعيده إلى النهر وكذلك لو أراد أحدهم أن ينصب دالية أوسانية فهو على هذا التفصيل وليس لأحدهم أن يضع قنطرة على هذا النهر من غير رضاهم لان القنطرة تصرف في حافتي النهر وفى هواه وكل ذلك مشترك ولو كان النهر بين شريكين له خمس كوى من النهر الأعظم ولاحد الشريكين أرض في أعلى النهر والآخر أرض في أسفله فأراد صاحب الاعلى أن يسد شيئا من تلك الكوي لما يدخل من الضرر في ارضه ليس له ذلك الا برضا شريكه لأنه يتضرر به شريكه فلا يجوز له دفع الضرر عن نفسه باضرار غيره وان أراد أن يتهايئا حتى يسد في حصته ما شاء لم يكن له ذلك الا برضا الشريك لما قلنا وان تراضيا على ذلك زمانا ثم بدا لصاحب الأسفل أن ينقض فله ذلك لان المراضاة على مالا يحتمل التمليك تكون مهايأة وانها غير لازمة ولو كان النهر بين رجلين له كوى فأضاف رجل أجنبي إليها كوة وحفر نهرا منه إلى أرضه برضا منهما ومضى على ذلك زمان ثم بدا لأحدهما أن ينقض فله ذلك لان العارية لا تكون لازمة وكذلك لو مات لورثتهما أن ينقضوا ذلك لما قلنا ولو كان نهر بين جماعة يأخذ الماء من النهر الأعظم ولكل رجل نهر من هذا النهر فمنهم من له كوتان ومنهم من له ثلاث كوى فقال صاحب الأسفل لصاحب الاعلى أنكم تأخذون أكثر من نصيبكم لان دفعة الماء وكثرته في أول النهر ولا يأتينا ولا وهو قليل فأرادوا المهايأة أياما معلومة فليس لهم ذلك ويترك الماء والنهر على حاله لان ملكهم ف رقبة النهر لا في نفس الملاء ولو أراد واحد منهم أن يوسع كوة نهره لم يكن له ذلك لأنه يدخل فيها الماء زائدا على حقه فلا يملك ذلك ولو حفر في أسفل النهر جاز ولو زاد في عرضه لا يجوز لان الكوى من حقوق النهر فيملكه بملك النهر بخلاف الزيادة في العرض ولو كان نهر يأخذ الماء من النهر الأعظم بين قوم فخافوا أن ينبثق فأرادوا أن يحصنوه فامتنع بعضهم عن ذلك فإن كان ضررا عاما يحبر ون على أن يحصنوه بالحصص وان لم يكن فيه ضرر عام لا يجبرون عليه لان الانتفاع متعذر عند عموم الضرر فكان الجبر على التحصيص من باب دفع الضرر عن الجماعة فجاز وإذا لم يكن الضرر عاما يمكن الانتفاع بالنهر فكان الجبر بالتحصيص جبرا عليه لزيادة الانتفاع بالنهر وهذا لا يجوز ولو كان نهر لرجل ملاصق لأرض رجل فاختلف صاحب الأرض والنهر في مسناة فالمسناة لصاحب الأرض عند أبي حنيفة رحمه الله له أن يغرس فيها طينه ولكن ليس له ان يهدمها وعند أبي يوسف ومحمد المسناة لصاحب النهر حريما لنهره وله أن نغرس فيها ويلقي طينه ويجتاز فيها وان لم يكن ملاصقا بل كان بين النهر والأرض حائل من حائط ونحوه كانت المسناة لصاحب النهر بالاجماع وبعض مشايخنا بنوا هذا الاختلاف على أن النهر هل له حريم أم لا بأن حفر بحل نهرا في أرض موات باذن الامام عند أبي حنيفة لا حريم له وعند هما له حريم ( ووجه ) البناء عليه انه لما لم يكن للنهر حريم عند أبي حنيفة كان الظاهر شاهد الصاحب الأرض فكان القول قوله ولما كان له حريم عندهما كان الظاهر شاهدا لصاحب النهر فيكون القول قوله وبعضهم لم يصححوا البناء وقالوا لا خلاف ان للنهر حريما في أرض الموات لان للبئر والعين حريما فيها بالاجماع وقد روى عليه الصلاة والسلام انه جعل لهما حريما لحاجتهما إلى الحفر لتعذر الانتفاع بها بدون الحفر لان حاجة النهر إلى الحريم كحاجة البئر والعين بل أشد فكان جعل للبئر والعين حريما جعلا للنهر من طريق الأولى دل ان البناء على هذا الأصل غير صحيح فكان هذا خلافا مبتدأ ( وجه ) قولهما انه لما كان للنهر حريم بالاتفاق كان الظاهر شاهدا لصاحب النهر فيجب العمل بالظاهر حتى يقوم الدليل بخلافه ولهذا كان القول قول صاحب البئر والعين عند الاختلاف كذا هذا ولأبي حنيفة ان المسناة إذا كانت مستوية بالأرض فالظاهر أنها ملك صاحب الأرض إذ لو كانت حريما للنهر لكانت مرتفعة لكونها ملقى طينه فكان الظاهر شاهد الصاحب الأرض الا أنه لا يملك هدمها لتعلق حق صاحب النهر بها وفى الهدم ابطاله ويجوز أن يمنع الانسان من التصرف في ملكه لتعلق حق الغير كحائط لانسان عليه جذوع لغيره فأراد هدم الحائط يمنع منه كذا هذا ثم كرى النهر المشترك على أصحاب النهر وليس على أصحاب الشفة في الكرى